ابن قيم الجوزية

331

الروح

وتحقيق هذا أن القلوب ثلاثة : قلب قاس : غليظ بمنزلة اليد اليابسة . وقلب مائع : رقيق جدا . فالأول : لا ينفعل بمنزلة الحجر . والثاني . بمنزلة الماء وكلاهما ناقص وأصح القلوب ( القلب الرقيق ) الصافي الصلب فهو يرى الحق من الباطل بصفائه ويقبله ويؤثره برقته ويحفظه ، ويحارب عدوه بصلابته . « وفي الأثر القلوب آنية اللّه في أرضه فأحبها إليه وأرقها وأصلها وأصفاها » وهذا القلب الزجاجي فإن الزجاجة جمعت الأوصاف الثلاثة ، وأبغض القلوب إلى اللّه القلب القاسي قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 1 » وقال تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً « 2 » وقال تعالى لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ « 3 » فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه وهذا بقسوته وجعل إلقاء الشيطان عتمة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب الثالث ، وهو القلب الصافي الذي ميز بين إلقاء الشيطان وإلقاء الملك بصفائه قيل الحق بإخباته ورقته وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوته فقال تعالى عقيب ذلك : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 4 » . فصل [ الفرق بين العفو والذل ] والفرق بين العفو والذل : أن العفو إسقاط حقك وجودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس ، فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ « 5 » . فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على من بغي عليهم وتمكنوا من استيفاء ما لهم عليه نذبهم إلى الخلق الشريف من

--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 22 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 74 . ( 3 ) سورة الحج ، الآية 53 . ( 4 ) سورة الحج ، الآية 54 . ( 5 ) سورة الشورى ، الآية 39 .